الشنقيطي
85
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
رأسه : إذا شققته نصفين . وعليه فالفئة الفرقة من الناس . وعلى هذا فوزنه بالميزان الصرفي « فعة » والتاء عوض عن اللام . وكلا القولين نصره بعض أهل العلم ، والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا ( 46 ) [ 46 ] الآية . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة - أن المال والبنين زينة الحياة الدنيا ، وأن الباقيات الصالحات خير عند اللّه ثوابا وخير أملا . والمراد من الآية الكريمة - تنبيه الناس للعمل الصالح ؛ لئلا يشتغلوا بزينة الحياة الدنيا من المال والبنين عما ينفعهم في الآخرة عند اللّه من الأعمال الباقيات الصالحات . وهذا المعنى الذي أشار له هنا جاء مبينا في آيات أخر ؛ كقوله تعالى : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ( 14 ) قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ الآية ، وقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 9 ) [ المنافقون : 9 ] ، وقوله : إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 15 ) [ التغابن : 15 ] ، وقوله : وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً [ سبأ : 37 ] الآية ، وقوله : يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ ( 88 ) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ( 89 ) [ الشعراء : 88 - 89 ] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الإنسان لا ينبغي له الاشتغال بزينة الحياة الدنيا عما ينفعه في آخرته . وأقوال العلماء في الباقيات الصالحات كلها راجعة إلى شيء واحد ، وهو الأعمال التي ترضي اللّه ، سواء قلنا : إنها الصلوات الخمس ، كما هو مروي عن جماعة من السلف ؛ منهم ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، وأبو ميسرة ، وعمرو بن شرحبيل « 1 » . أو أنها : سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . وعلى هذا القول جمهور العلماء ، وجاءت دالة عليه أحاديث مرفوعة عن أبي سعيد الخدري « 2 » ، وأبي الدرداء « 3 » ، وأبي هريرة « 4 » ، والنعمان بن
--> ( 1 ) أخرجه عن ابن عباس وعن سعيد بن جبير وعن أبي ميسرة وعن عمرو بن شرحبيل ابن جرير الطبري في جامع البيان 15 / 165 . ( 2 ) أخرجه عن أبي سعيد الخدري أحمد في المسند 3 / 75 . ( 3 ) أخرجه عن أبي الدرداء ابن ماجة في الأدب حديث 3813 . ( 4 ) أخرجه عن أبي هريرة الطبراني في المعجم الصغير 1 / 145 ، وابن جرير الطبري في جامع البيان 15 / 166 .